غسان فوزى طه

25

شيعة لبنان ( العشيرة - الحزب - الدولة ) ( بعلبك - الهرمل نموذجاً )

أما محمد علي مكي ، فيؤكد هذا الوجود ، من خلال بعثة ابن تيمية وفتواه ، والنزوح إلى البقاع وجزين ، واستخدامه مصطلح الرافضة الذي عرف به الشيعة « 1 » . لكن عارف الزين يرى أن هذا المصطلح استخدم من قبل ابن تيمية بحق كل من خالف مذهبه ؛ سواء كان الروافض من الشيعة أم من الموارنة أو من الدروز أو من النصيرية ، وأن حملة المماليك عام 1305 م كان غرضها إخضاع الموارنة ومعاقبتهم لاشتراكهم مع الإفرنج في الاعتداء على الأمراء التنوخيين عام 1302 « 2 » . ولتحديد المصطلح بشكل دقيق يمكن العودة إلى رسالة ابن تيمية التي كشف جانبا منها محمد علي مكي ، ثم قام بعد ذلك مؤرخ آخر هو عمر عبد السلام تدمري « 3 » . ونص الرسالة طويل وفيه الكثير من العناصر الهامة عن مذهب الكسروانيين الذين أفتى ابن تيمية بقتالهم ، وفيها مقطع لا يترك مجالا للشك في أنهم من الاثني عشرية ، تجلى بوصفه لإيمانهم بالإمام المهدي المنتظر وبأنه حجة الله على أرضه ، كما تحدد الرسالة مناطق انتشارهم . وبذلك تكون رسالة ابن تيمية التي بعثها إلى الملك الناصر والتي برر فيها قتلهم وتخريب ديارهم ، ما يشير إلى أرجحية الوجود الشيعي في كسروان حتى أوائل القرن الرابع عشر للميلاد ، حين اصطدموا مع الجيش المملوكي . وبقي هذا الوجود حتى أواخر القرن السابع عشر ثم امتد إلى مناطق أخرى ، على قاعدة تسلّم السلطة . وكما يقول كمال الصليبي : إنه منذ أواخر القرن السابع عشر ، وقعت مناطق بشري والبترون وجبيل المارونية ، ومنطقة الكورة الملكية الأرثوذكسية تحت نفوذ آل حمادة الشيعة الذين تولوا أمر هذه المناطق عن ولاة طرابلس ، ولم تكن للأمراء الشهابيين في البدء ، سيادة عليهم « 4 » . وتجدر الإشارة في هذا المجال ، إلى أن العائلات في لبنان لم تتصف بالثبات في توزعاتها الديموغرافية ، بل كانت هذه الوحدات تتعرض دوما للتغيير والتعديل ، بنتيجة أسباب متعددة . لكن يبقى أهمها عامل الحروب الذي كان يدفع الكثير من أبناء المناطق اللبنانية نحو النزوح إلى مناطق أخرى طلبا للأمن وللعيش الكريم . وما يهمنا في هذا السياق ، رصد حركة العائلات الشيعية التي اتجهت صوب منطقة بعلبك الهرمل من مناطق مختلفة في لبنان . ولعل أكثرها

--> ( 1 ) محمد علي مكي ، لبنان من الفتح العربي إلى الفتح العثماني ، دار النهار ، بيروت 1985 ، ص 229 . ( 2 ) أحمد عارف الزين ، مجلة العرفان ، تشرين أول 1970 ، ص 31 . ( 3 ) عمر عبد السلام تدمري ، مجلة الفكر الإسلامي ، العدد السادس ، دار الفتوى ، 1987 ، ورد هذا النص في كتاب د . أحمد بيضون ، « الصراع على تاريخ لبنان » دائرة منشورات الجامعة اللبنانية ، بيروت 198 ، ص 81 و 82 . * يشير الدكتور بيضون في كتابه المذكور في هامش الصفحة 81 إلى نص الرسالة التي ادعى تدمري بأنه عثر عليها في مخطوط ، عن ابن تيمية باستنبول لابن قدامة المقدسي ، وأنه ينشر لأول مرة ، بأنه نتيجة التحقيق وجد الدكتور بيضون أن الرسالة منشورة عام 1938 م بالقاهرة في كتاب « العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام » ابن تيمية لابن عبد الهادي في الصفحة 182 - 194 وأن ابن عبد الهادي هو نفسه ابن قدامة المقدسي . ( 4 ) كمال الصليبي ، تاريخ لبنان الحديث ، ط 7 ، دار النهار للنشر ، بيروت 1991 ، ص 32 .